محمود بن حمزة الكرماني

37

اسرار التكرار في القرآن

الناس ليحل العداء محل الحب بسبب عدم فهم بعضهم لغة بعض . ويتصل قول النظام هذا بالفكر اليهودي في صورة أوضح حينما نقارنه بما جاء في سفر التكوين من أن صراعا مريرا كان يدور بين اللّه وخلقه ، حتى لقد تغلب يعقوب - عليه السّلام - فخلع حق فخذه . وخلاصة الفكر اليهودي : أن اللّه كما تصوروه : قابل للهزيمة ، بارع في التآمر ضد عباده ، متردد في أفكاره ، يقرر الشيء ثم يرجع عنه ، ويعالج هذا التردد بالكيد لعباده ، وهو نفس القول الذي ردده المختار الثقفي باسم ( نظرية البداء ) إذ كان اللّه يعده بالنصر ، ثم يبدو له أن يغير موقفه فيصيبه بالهزيمة . أليس القول بأن العرب كان في مقدورهم معارضة القرآن ولكن اللّه صرفهم عن ذلك ، وثيق النسب بهذا الفكر اليهودي المشبوه ؟ ؟ وأليس التحدي ثم الصرف على هذه الصورة التي رسمها إبراهيم النظام عبارة عن ضرب من ضروب الخداع والهروب من الحقيقة جل اللّه تعالى عن مثله ؟ ؟ أليس هذا القول يساوى نسبة خطأ التقدير إلى اللّه ، ثم التخلص من هذا الخطأ بلعبة تشبه ألعاب السياسة المعاصرة ؟ ؟ وإلّا فكيف يتحدى اللّه العرب صراحة أن يأتوا بمثل القرآن ، أو بآية واحدة من مثله ، وهم مصروفون بطبيعتهم ، أو بصرفهم - سبحانه - عن الاستجابة للتحدى بوسيلة ما من وسائل الصرف ؟ وهل يكون هذا العمل إلّا عبثا تجل عنه حكمة التدبير الماثلة أمام العالم والمعجزة له ، والهادية إلى مزيد من الإيمان في الوقت نفسه ؟ ؟ يقول الإمام السيوطي ردّا على هذا القول الذي قال به النظام ومن جرى مجراه : « إن هذا القول فاسد بدليل قوله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ . . . « 1 » الآية . فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم ، ولو سلبوا القدرة لم يبق لهم فائدة لاجتماعهم ، لمنزلته منزلة اجتماع الموتى ، وليس عجز الموتى مما يحتفل به . هذا مع أن

--> ( 1 ) سورة الإسراء : 88 .